تحليل نص مفهوم التواصل لنور الدين أفاية: جدلية اللغة، السلوك، والعقلانية في التفاعل البشري
سياق وملاحظة النص
النص محاولة من أفاية لمقاربة مفهوم التواصل في كتابه "المتخيل والتواصل، مفارقات العرب والغرب". ويرى أن وسائل التواصل الحديثة فرضت نفسها بصورها ومخيلتها، وأن الضرورة باتت مُلحّة لتقييم الذات والآخر لمدركاتهما في إطار تفاعل إيجابي بعيد عن الهيمنة.
يطرح النص إشكالاً مفاده أن التواصل القائم على انتقال الرسالة اللغوية أو الخدمات، يكون مبثوثاً داخل سياق سوسيو-سيكولوجي يضبط العلاقة بين الأنا والآخر، ولا يخلو هذا التبادل من اضطراب أو تعقيد بسبب المصالح والخلفيات الإيديولوجية.
فهم النص: دعامات مقاربة التواصل
تقوم مقاربة مفهوم التواصل في النص على دعامات فكرية أساسية يمكن إجمالها فيما يلي:
- **شرط الحياة الاجتماعية:** التواصل هو تبادل لبلاغات مشحونة بدلالات متعددة (رموز، خدمات، ممتلكات).
- **وسيلة التنشئة:** لدوره في تكوين الفرد وتشكيل وعيه بنفسه وبالعالم.
- **أهمية اللغة:** اللغة بعلاماتها اللغوية وغير اللغوية أساسية لتأمين التواصل.
- **اللغة غير اللسانية:** العلامات غير اللسانية لغة تعكس سلوكاً قابلاً للإدراك، وتدفع إلى التركيز على العلاقة التي تجمع المرسل والمستقبل.
- **تعقيد التواصل:** هي عملية تداولية تفاعلية قد تصادف معيقات مرتبطة بسوء الفهم والمصالح الخاصة والأحكام المسبقة.
التحليل والجدل الفكري
المستوى الدلالي (تداخل الحقول)
يتوزع النص حقلان دلاليان متداخلان: **حقل لساني** (الدلالات، الرموز، العلامات، التداول، الإرسال، التأويل) و **حقل اجتماعي** (السلوك الاجتماعي، التبادل، التنشئة، السياق، العلاقات). هذا التداخل يوضح أن الوظيفة التواصلية للغة لا تتحقق إلا بفعل التفاعلات الاجتماعية بكل مستوياتها وتعقيداتها.
التواصل، العقلانية، والتذاوت
قول الكاتب "كل تواصل يحمل في ذاته خبراً ويولد بالتالي سلوكاً" يرتكز على أن اللغة حوار بين عقول المتحدثين يهدف إلى التفاهم وبلوغ الإجماع.
يشير أفاية إلى أن العقلانية "الديكارتية" القديمة، القائمة على ثنائية الذات والموضوع، عاجزة عن حل أزمة البشرية. لذا تقترح فلسفة التواصل الاستغناء عن **الذاتية** (Subjectivity) والاستعاضة عنها بـ التذاوتية (Intersubjectivity) مع الآخر وبالآخر، وهي محصلة العلاقة بين "أنا وأنت"، مما يفسح المجال لحوار متبادل قائم على البرهان والمحاججة.
الأسلوب اللغوي والتركيب
استثمر الكاتب الكثير من أدوات الربط المنطقي والدلالي، وشكل الانتقال من العام إلى الخاص، وعبر علاقات السببية والتزامنية والاقتضائية، مدخلاً لبناء المفهوم وتفكيك أبعاده بصيغ استدلالية صارمة.
- **أمثلة الروابط:** (وهكذا فإن، كما أنها، ثم إنه، ومن ثمة يغدو، كل هذا يفضي إلى، ولكنها تشغل كذلك، بل إن).
- **اللغة:** استخدم الكاتب اللغة التقريرية، وهيمنت الجمل الخبرية الدقيقة، لضمان وصول المفهوم واضحاً ومقنعاً إلى متلقٍ خاص.
تركيب وتقويم
إن الرغبة في التواصل هي فعل يتأسس على الفهم والإحساس بالآخر في إطار تصوري موضوعي لا يكتفي بالبعد الاقتصادي الاجتماعي، بل يتعدى ذلك نحو الكشف عما في هذه العلاقات من معنى وجود.
إن التواصل يهدف في العمق إلى تكوين فضاء عمومي تكون بمثابة مسطح تنبني فوقه العلاقات القائمة على الاختلاف والحوار وسيادة روح الديمقراطية والتسامح. وتدعو الفلسفة المعاصرة (هابرماس، آبل) إلى تشييد نموذج آخر للتواصل يعوض التعاقد الاجتماعي الكلاسيكي بتوافق (Consensus) تبلوره المناقشة العامة عبر المداولة الحرة بين جميع أفراد المجتمع.
- لفهم طبيعة التواصل كظاهرة لغوية وسلوكية: مفهوم التواصل: تعريفه، أهميته، وأنواعه (اللفظي وغير اللفظي)
✒️ بقلم: elwajdi
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق